شكرا أيها المخططون تسريبات تنويم الدولة بثلاث عطل قتل بطيء للإقتصاد !!! 


أنباء الوطن -

د . بسام روبين يكتب ....

         

 

ليس أخطر على الدول من السياسات التي تقدم بوصفها حلولا، بينما هي في جوهرها مسكنات طويلة المفعول،

وليس أضر على الشعوب من قرارات تلبس ثوب المكسب الإجتماعي، فيما حقيقتها إدارة فشل مؤجل ،

وما رشح مؤخرا من تسريبات حول التوجه نحو زيادة أيام العطل، لا يوحي بإصلاح بقدر ما يكشف عن فلسفة جديدة في الحكم ، فحين تعجز عن العلاج ، نوم المريض ،

فبعد سنوات من العجز المزمن عن معالجة ملفات الصحة، والتعليم، والبنية التحتية، وغلاء المعيشة، وتآكل الأجور، جاء الإلهام العبقري المسرب ،

إمنح المواطن وقتا أطول ليجلس في بيته ، لعل الأزمة تخجل وتنسحب وحدها ،

هكذا يبدو التحديث الإداري ، كما يراد له أن يفهم ، فلا مساس بالروتين القاتل،

ولا تبسيط للإجراءات المتشابكة،

ولا رقمنة حقيقية للخدمات،

ولا تخفيض لفاتورة الطاقة،

ولا مراجعة لسياسات الغرامات والجباية،

بل يوم عطلة ثالث ،

ليتأمل الموظف الذي يكافح لسد رمق شهره ، فواتيره المتراكمة بهدوء أكبر ،

والمفارقة التي تقترب من العبث أن هذا الطرح يأتي في توقيت تعلن فيه الأرقام الرسمية عن تباطؤ إقتصادي، وتراجع في الإنتاجية، وتصاعد في الدين العام.

وكأن الطبيب، بعد أن يشخص نزيفا حادا، يقرر أن المشكلة في كثرة حركة المريض ، فيربطه إلى السرير بدل إيقاف النزف.

أما المنطق غير المعلن خلف هذه الفكرة، فيستحق دراسة مستقلة ،

فإذا كان المواطن يعمل خمسة أيام ولا يكفيه دخله، فالحل وفق هذه المدرسة ، هو تقليل أيام عمله، ليصبح دخله نظريا أقل كفاية ،

وإذا كانت المؤسسات تعاني بطئا في الإنجاز، فالعلاج هو المزيد من الغياب ،

وهذا ليس حلا ،

بل إستسلام مقنع، وتحويل العجز الإداري إلى فلسفة حكم.

تخيلوا المشهد المسرب ثلاث عطل إسبوعيا

 تعني تعطيل دورة الإنتاج،

تراكم المعاملات،

تباطؤ الخدمات،

وإنفصالا كاملا عن إيقاع العالم الذي يسبقنا بسنوات ضوئية.

بينما دول تناقش أربعة أيام عمل ، بعد أن حققت فائض إنتاجية وثروة،

نحن نقفز مباشرة إلى ثلاثة أيام راحة ، قبل أن ننتج أصلا ما يكفي للبقاء ،

والأخطر أن هذا الحل التنويمي ، لن يمس أصحاب القرار في مكاتبهم المكيفة،

بل سيرهق الموظف الصغير،

ويقصي العامل اليومي الذي لا يعيش إلا على الأجر المباشر،

ويخنق أصحاب المشاريع الصغيرة الذين يعتمدون على التدفق النقدي اليومي للبقاء ،

وهنا يفرض السؤال نفسه، بلا مواربة ، هل نحن أمام تحديث إداري ؟ أم أمام إستراتيجية هروب جماعي من مواجهة الحقيقة؟

هل نريد دولة منتجة ؟ أم شعبا منوما؟

الفارق بين الإثنين هو الفارق بين البناء والإنهيار ،

فالأوطان لا تبنى بساعات فراغ أطول،

بل بساعات عمل أكثر جودة،

وأجور عادلة،

وإدارة تحترم الوقت،

وإقتصاد يكافئ الجهد لا الغياب.

والمواطن لا يسعد بيوم عطلة إضافي ليفكر بقلق الغد ، بل بيوم عمل يحفظ كرامته،

ويؤمن مستقبله،

ويمنحه أملا حقيقيا لا مهدئا مؤقتا.

وختاما ، كفى تنويما أيها المخططون، أيها المسؤولون ،

فالشعب لا يريد كسلا مقنعا،

بل عملا كريما.

لا يريد سباتا إداريا،

بل إصلاحا شجاعا.

فإما أن تعالجوا الجرح ،

وإلا دعوا الشعب يستيقظ،قبل أن يدفن الإقتصاد نهائيا تحت غطاء العطل.

حفظ الله الأردن

 

العميد المتقاعد

الدكتور بسام روبين