غرفة تجارة عمان علامة فارقة في الاقتصاد الوطني ومنارة للعمل التجاري
أنباء الوطن - غرفة تجارة عمان علامة فارقة في الاقتصاد الوطني ومنارة للعمل التجاري
عمان 10 شباط– شكلت غرفة تجارة عمان التي احتفلت تحت رعاية جلالة الملك عبدالله الثاني أمس الاثنين، بمناسبة مرور أكثر من مئة عام على تأسيسها، علامة فارقة في تاريخ الاقتصاد الوطني، ومنارة للعمل التجاري الذي بدأ مع بواكير تأسيس البلاد.
وتمثل غرفة تجارة عمان اليوم ما يقارب 42 ألف منشأة تجارية وخدمية وزراعية توفر قرابة 567 ألف فرصة عمل لأردنيين، فيما بلغت رؤوس أموال هذه المنشآت العام الماضي 2025 قرابة 34 مليار دينار.
ومنذ قرن وبضعة أعوام من الزمان وغرفة تجارة عمان التي تعد أول هيئة مجتمع مدني في إمارة شرق الأردن، حاضرة في قلب المشهد الاقتصادي الوطني وشاهدة على تحولاته وتطوره ومشاركة في صياغة ملامحه، فغدت رافعة من روافع بناء الدولة الأردنية الحديثة.
وفي عام 1923، اجتمع أربعون تاجرا في عمان، يحملون وعيا مبكرا بأن ازدهار التجارة لا يقوم على الجهد الفردي وحده، بل على العمل المؤسسي المنظم، لتولد من تلك الرؤية نواة أول تجمع يمثل القطاع الخاص في البلاد التي بدأت تسير بخطوات ثاقبة نحو البناء والتقدم والنماء.
وكان يوسف عصفور هو أول تاجر يترأس مجلس إدارة تجارة عمان في دورتها الأولى، ثم تبعه محمد طاهر الجقة وزكي الإدلبي وعبد الحميد ذياب وصبري الطباع ومحمد علي بدير وإبراهيم منكو وحمدي الطباع و"محمد هادي" عصفور وحيدر مراد ورياض الصيفي وعيسى حيدر مراد وخليل الحاج توفيق.
وشهدت التجارة الخارجية الأردنية منذ منتصف القرن العشـرين تطورا ملحوظا، حيث ارتفع إجمالي حجمها من نحو 12 مليون دينار لعام 1950، إلى ما يقارب 29 مليار دينار عام 2024، ما يعكس توسع النشاط التجاري واندماج الأردن المتزايد في الأسواق العالمية.
وشهدت الصادرات الوطنية نموا كبيرا من 1.5 مليون دينار في 1950 إلى 8.76 مليار دينار عام 2024، وخلال الفترة من 2010 حتى 2024، ارتفعت الصادرات بنسبة 107.7 بالمئة ما يعكس قدرة المنتج الوطني على التوسع في الأسواق الخارجية، وتنوع القطاعات المصدرة، وارتفاع قيمة المنتجات الزراعية والصناعية والخدمية.
يقول رئيس الغرفة العين خليل الحاج توفيق " لم تكن تجارة عمان عبر تاريخها الممتد في جذور الدولة الأردنية مجرد مؤسسة إدارية، وإنما بيت آمن للتجار، وذاكرة حية للحركة التجارية، ومنصة للحوار المسؤول بين القطاعين العام والخاص، وشريك موثوق في مواجهة التحديات وصناعة الفرص".
وأضاف، استندت تجارة عمان في مسيرتها لمنظومة راسخة من القيم، في مقدمتها النزاهة والمصداقية والريادة والشراكة والمسؤولية، وهي القيم التي شكلت جوهر هويتها المؤسسية ووجهت أدوارها على امتداد العقود.
وزاد الحاج توفيق الذي يرأس اليوم المجلس الخامس والعشرين للغرفة " وإذ تطوي تجارة عمان صفحة قرن من العطاء، فإنها تفتح، في ظل الراية الهاشمية، صفحة جديدة من العمل والطموح، مستلهمة إرثها، ومنحازة للمستقبل، ومؤمنة بدورها في احتضان الأجيال القادمة من رواد الأعمال، وترسيخ مكانة العاصمة مركزا تجاريا واقتصاديا فاعلا بالمنطقة".
وحسب سردية الغرفة التاريخية، برزت الحاجة إلى تنظيم العمل التجاري وتأطيره ضمن إطار مؤسسي يمثل التجار وينظم شؤونهم، فتم تأسيس غرفة تجارة عمان عام 1923، بمبادرة من أربعين تاجرا من تجار المدينة، لتكون أول غرفة تجارية تنشأ رسميا في إمارة شرق الأردن، وذلك في بدايات تشكل الدولة وبقيادة الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين.
وقامت غرفة تجارة عمان منذ تأسيسها، بدور تنظيمي واقتصادي مهم، شمل معالجة القضايا الاقتصادية العامة، والمساهمة في مكافحة الغلاء وتوفير السلع الأساسية، وتنظيم أجور نقل البضائع والركاب، وتحديد أجور السكن، ووضع أنظمة الأوزان والمكاييل ومراقبتها، وتقديم خدمات التحكيم التجاري، وتصديق الكفالات والفواتير ذات النفع العام.
وأسهم هذا الدور المبكر للغرفة في ترسيخ قواعد العمل الاقتصادي المنظم، وتوفير مظلة مؤسسية للتجار، بما دعم مسيرة التنمية الاقتصادية، وتكامل مع جهود بناء مؤسسات الدولة خلال مرحلة تأسيس إمارة شرق الأردن، التي أولى فيها الهاشميون الشأن الاقتصادي أهمية خاصة، باعتباره ركيزة للاستقرار وبناء الدولة الحديثة.
وشهدت المرحلة التي تلت استقلال المملكة تطورا تشريعيا مهما، تمثل في صدور قانون الغرف التجارية والصناعية رقم (41) لسنة 1949 الذي حدد صلاحيات الغرف ومهامها، وأسهم في إرساء أسس التنظيم الإداري الحديث.
وانطلقت المرحلة الثانية من مسيرة الغرفة مع مطلع خمسينيات القرن الماضي، متزامنة مع مشاركة تجارة عمان بتأسيس الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية عام 1951، كممثل عن الأردن في خطوة عكست دورها المبكر في دعم العمل الاقتصادي العربي المشترك.
وفي عام 1955، تأسس اتحاد غرف التجارة الأردنية ليكون إطارا جامعا لغرف التجارة بالمملكة، لتوحيد الجهود، وتمثيل القطاع التجاري، وتعزيز دوره في التنمية الاقتصادية، وقد كان لغرفة تجارة عمان الدور الأكبر في تأسيس الاتحاد وتوفير الدعم المؤسسي له.
وبموجب القانون المعدل رقم (1) لسنة 1953 لقانون الغرف التجارية والصناعية لسنة 1949، جرى توحيد التمثيل المؤسسي للقطاعين التجاري والصناعي في العاصمة، حيث أصبح اسم غرفة تجارة عمان رسميا غرفة تجارة وصناعة عمان اعتبارا من عام 1952، واستمر العمل بهذه التسمية حتى عام 1962، قبل أن يعاد الفصل المؤسسي بين الغرف التجارية والصناعية لاحقا، وفق التشريعات التي نظمت عمل كل قطاع على حدة.
وشكل افتتاح مبنى غرفة تجارة عمان السابق في العاشر من أيلول لعام 1962 محطة بارزة في مسيرة الغرفة المؤسسية، حيث جرى الافتتاح بتشريف جلالة الملك الباني الحسين بن طلال -طيب الله ثراه- في دلالة واضحة على الدعم الملكي المتواصل للقطاع التجاري ودوره في التنمية الاقتصادية.
ومع بداية عقد السبعينيات من القرن الماضي، دخلت غرفة تجارة عمان مرحلة جديدة اتسمت بالنمو المؤسسي المتسارع والانفتاح الاقتصادي، حيث شهدت توسعا كبيرا في نشاطاتها وخدماتها ومواردها المالية، انعكس بصورة مباشرة على الارتفاع المتزايد في أعداد المنتسبين إليها.
وفي مطلع سبعينيات القرن الماضي، بلغ عدد أعضاء الغرفة نحو خمسة آلاف عضو، وارتفع إلى قرابة سبعة آلاف عضو في مطلع الثمانينيات، ليصل مع نهاية هذه المرحلة عام 1998 لما يقارب 30 ألف عضو.
وشهدت هذه المرحلة تقديرا ملكيا رفيعا لدور الغرفة، حيث أنعم الملك الحسين بن طلال في 13 تشرين الثاني 1975 على تجارة عمان بوسام الاستقلال من الدرجة الأولى، تقديرا لدورها الريادي في تطوير القطاع التجاري، ومساهمتها الفاعلة في دعم الاقتصاد الوطني.
وتزامن هذا النمو مع تنفيذ عدد من خطط التنمية الاقتصادية الوطنية، حيث كان لغرفة تجارة عمان دور فاعل في دعم هذه الخطط وتنفيذها، بالتعاون مع القطاع العام، من خلال تمثيل القطاع الخاص، والمشاركة في صياغة واستكمال وتحديث التشريعات الاقتصادية والتجارية والعمالية.
كما نشطت الغرفة في تعزيز التبادل التجاري على المستويين العربي والدولي، وتوثيق العلاقات التجارية، وتشجيع الاستثمارات المحلية والخارجية، والمشاركة في توقيع العديد من الاتفاقيات العربية والإقليمية والدولية.
وفي تشرين الثاني عام 1995، تفضّل جلالة الملك الحسين بن طلال بالإنعام على غرفة تجارة عمّان بوسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى، تقديرًا لجهودها المتميزة ودورها الفاعل في دعم الاقتصاد الوطني، وإسهاماتها في الإعداد والتنظيم لمؤتمر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي عُقد في العاصمة عمّان في ذلك العام.
كما رعى جلالة الملك الحسين بن طلال في 6 أيلول عام 1997، حفل تكريم رؤساء وأعضاء مجالس إدارتها السابقين، والذي أُقيم في قصر الثقافة، ما يعكس استمرارية النهج المؤسسي وتقدير القيادات التي أسهمت في بناء مسيرة الغرفة عبر العقود.
ومع تسلم جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية عام 1999 شهد الاقتصاد الوطني نقلة نوعية في مسارات الانفتاح والاندماج مع الاقتصاد العالمي، في إطار رؤية ملكية أولت الشأن الاقتصادي أولوية قصوى.
وفي العام ذاته، تفضّل جلالة الملك بزيارة ملكية سامية إلى غرفة تجارة عمّان، حيث التقى رئيس وأعضاء مجلس إدارتها، واطلع على دورها وخططها، وأبدى توجيهاته السامية وتقديره للدور الذي تضطلع به في خدمة القطاع التجاري ودعم الاقتصاد الوطني.
وفي إطار تعزيز قدرات القطاع التجاري، تأسست أكاديمية غرفة تجارة عمّان للتدريب عام 2000، بهدف تقديم برامج تدريبية متخصصة لأعضاء الغرفة وموظفيهم، شملت مجالات إدارية وتسويقية وقانونية وضريبية، إلى جانب برامج متقدمة في إدارة الجودة، والتسويق الإلكتروني، والأمن السيبراني، وغيرها من المهارات الحديثة، واستفاد من برامجها نحو 30 ألف متدرب.
وكانت غرفة تجارة عمّان أول غرفة تجارية في المملكة تحصل على عدد من أنظمة الإدارة الدولية المعتمدة، تأكيدًا لالتزامها بتطبيق أفضل الممارسات المؤسسية، وتعزيز مبادئ الحوكمة والاستدامة، ما أسهم في تطوير الأداء المؤسسي، ورفع الكفاءة التشغيلية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة لأعضاء الهيئة العامة.
وفي 26 حزيران لعام 2002، حظيت غرفة تجارة عمّان بزيارة جلالة الملك عبدالله الثاني، جرى خلالها افتتاح أعمال الغرفة الإلكترونية، لتكون من أوائل الغرف العربية التي بادرت إلى تحديث أنظمتها وخدماتها إلكترونيًا، ومواكبة التطور التكنولوجي في بيئة الأعمال.
وفي 10 شباط لعام 2013، شرف جلالة الملك عبدالله الثاني غرفة تجارة عمّان بمناسبة مرور 90 عامًا على تأسيسها، في احتفالية وطنية كبرى أُقيمت في قصر الثقافة بمدينة الحسين للشباب، تضمنت تكريم رؤساء الغرفة السابقين وعدد من أعضاء مجالس إدارتها.
وضمن جهود تبسيط الإجراءات وتعزيز التكامل مع المؤسسات الرسمية، تم استحداث خدمة المكان الواحد في مبنى الغرفة لتقديم مجموعة واسعة من الخدمات الحكومية في موقع واحد.
وفي 30 آب لعام 2022 شرف سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني؛ ولي العهد، بزيارة مركز خدمة المكان الواحد، واطّلع على الخدمات المقدمة، مؤكدًا أهمية هذه المبادرة في تحسين تجربة المتعاملين، وتعزيز الربط المباشر والفعال بين القطاع الخاص والخدمات الحكومية.
وفي إطار تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها الاقتصادية، تأسست لجنة سيدات أعمال الغرفة بهدف تأطير عمل صاحبات وسيدات الأعمال، وتعزيز قدراتهن التنافسية محليًا وإقليميًا من خلال التدريب، وورشات العمل، والإرشاد، والمشاركة في المعارض، وتوسيع العلاقات التجارية.
ولعبت الغرفة دورا محوريا في تعزيز مكانة الأردن على الخارطة الاقتصادية الإقليمية والدولية، من خلال توسيع شبكة علاقاتها الخارجية، وبناء شراكات مؤسسية مع الغرف التجارية والصناعية العربية والإقليمية والإسلامية والدولية.
ووقعت 80 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع نظرائها من الغرف في الدول العربية والآسيوية والإفريقية ودول الاتحاد الأوروبي، أسهمت في تطوير وتعزيز التبادل التجاري بين المملكة وهذه الدول، وفتح قنوات تواصل مباشرة بين مجتمعات الأعمال، وتسهيل فرص النفاذ إلى الأسواق الخارجية.
وأولت تجارة عمان المسؤولية المجتمعية اهتمامًا خاصًا، من خلال تقديم الدعم المالي واللوجستي لعدد من النقابات التجارية والخدمية وجمعيات أصحاب العمل، والمساهمة في دعم الجمعيات الخيرية والمبادرات الإنسانية، وفق أسس ومعايير مهنية واضحة، تضمن استدامة الأثر وتعظيم الفائدة المجتمعية، علاوة على شراكات مع بعض المؤسسات الوطنية الرائدة.
وكان للغرفة دور إنساني بارز في دعم أهالي قطاع غزة خلال العدوان الإسرائيلي الأخير حيث قدمت تبرعات عبر الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية دعمًا للجهود الإغاثية والإنسانية، في تعبير واضح عن التزامها بالمسؤولية الوطنية والإنسانية، ومساندة القضايا الإنسانية العادلة، وترسيخ دور القطاع التجاري كشريك فاعل في خدمة المجتمع.
ومنذ عام 2020، دخلت الغرفة مرحلة التحول الرقمي الشامل، ضمن رؤية مؤسسية تستهدف أتمتة الخدمات وتقديمها إلكترونيًا بصورة كاملة، انسجامًا مع التوجهات الوطنية للتحول الرقمي، وبما يرسخ مفهوم الغرفة الذكية، ويعزز سهولة الإجراءات، وسرعة الإنجاز، وتحسين تجربة المتعاملين، وصولًا لتقديم جميع خدمات الغرفة إلكترونيًا بشكل كامل خلال العام الحالي 2026.





